محمد أبو زهرة

1213

زهرة التفاسير

الذي لا يحتمل تأويلا أن الملك خاطبها حين ابتدأ حملها ، كما جاء في سورة مريم ، إذ قال اللّه سبحانه وتعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) [ مريم ] . والروح الذي ذكر مضافا إليه سبحانه هو روح من عند اللّه ، أرسله سبحانه ليبشر مريم البتول بعيسى عليه السلام ، ولم يكن الملك يحمل وديعة كما يحمل الإنسان ؛ لأنه ليس بإنسان ، والعلاقة الجنسية من خواص الآدمية ؛ بل الوديعة التي يحملها هي بشرى ، والخلق والتكوين لرب العالمين ، وهو يخلق الحي من غير جرثومة حياة ، كما يخلق جرثومة الحياة نفسها . وإذا كانت الملائكة قد خاطبت مريم مشافهة فهل هي نبية ، لأن الملائكة خاطبوها ؟ هكذا قال بعض العلماء . ولكن الأكثرين على أنه لا يمكن أن تكون نبية ، وخطاب الملائكة لها لا يقتضى النبوة ؛ لأن النبي من يوحى إليه بشرع ، ومريم لم يوح إليها بشيء من الشرع ، ولكنه كان خطابا للبشارة بواقعة معينة دالة على علو منزلتها ، واصطفاء اللّه سبحانه وتعالى لها . والاصطفاء افتعال من صفا ؛ فمعنى اصطفى طلب الصفوة المختارة ؛ والمعنى اللازم هو اختيار اللّه تعالى لها باعتبارها من صفوة الإنسانية البرة التقية . ولقد كان اصطفاء اللّه تعالى إياها مرتين بينهما طهر وتقى ؛ فأما الاصطفاء الأول فحين قبولها نذرا من أمها البرة التقية ، واختيارها لسدانة البيت المقدس ؛ وأما الاصطفاء الثاني فهو حين اختارها لتكون أما لمن لا أب له ، إذ تلد بعد أن تحمل من غير علاقة تناسلية مما يجرى بين البشر ؛ وبين الاصطفاءين طهر وتقى وعفاف ، وإيمان وانصراف للعبادة ، وهذا هو معنى قوله تعالى عن خطاب ملائكته لمريم : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ وذكر في الاصطفاء ما يدل على أنها